أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

318

التوحيد

بالعدم ، فهي عنده أي في وجوده الواحد الحق سبحانه بمقدار وقوله تعالى ( وَما نُنَزِّلُهُ ) أي إليكم فنقدر لكم أنكم ترونه إلا بقدر أي بمقدار معلوم عندنا في حضرة علمنا الأزلي القديم ، وكذلك جميع مخلوقاته تعالى أي مقدراته التي هو منزه عنها منزهة أيضا هي عن أن تتصف بالوجود ، لأنها عدم والعدم لا يتصف بالوجود ، فكل واحد من الخلق غير الخالق ، وهما ظاهران معا ، ولا بد من التمييز بينهما ، والتمييز أن تدرك أن الوجود الظاهر لك هو الوجود الواحد الحق سبحانه ، وجميع ما عداه ليس بموجود أصلا بل هو تقاديره وتصاويره العدمية فترى الخلق من حيث الوجود فقط هو الحق الواحد سبحانه ولا يمكن أنهما يفترقان أصلا إذ التقادير والتصاوير لا تكون تقادير ولا تصاوير بأنفسهما بل هي تقادير وتصاوير بمقدرها ومصورها وهو الوجود الحق تعالى ( ومن حيث التعين ) بالمقادير والتصاوير ( غير ) الوجود الواحد ( الحق سبحانه وتعالى ) لأن التعينات غير ما به التعين لا محالة ( والغيرية ) المذكورة ( اعتبارية ) أي باعتبار المعتبر لها لا غيرية حقيقية لأن الغيرية الحقيقية إنما تكون بين الوجودين الحقيقيين المستقلين اللذين كل وجود منهما وجود حقيقي مستقل وهذا محال عقلا وشرعا . وأما الغيرية التي تكون بين الوجود الحقيقي وبين الاعتبار والتعين المفروض المقدر فهي غيرية اعتبارية مفروضة مقدرة كما ذكرنا . ( وأما ) إذا تحقق العارف الكامل ( من حيث الحقيقة ) أي حقيقة الأمر ونفس الأمر بعد زوال التوهمات العقلية والحسية ( فالكل ) أي كل شيء محسوس ومعقول ( هو ) الوجود الواحد ( الحق سبحانه وتعالى ) والمحسوسات والمعقولات كلها مع الحواس والعقول إنما هي تعيناته العدمية وفروضاته ومقدراته الوهمية كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « كان اللّه ولا شيء معه » « 1 » وهو الآن على ما عليه كان وأشار تعالى إلى هذا في القرآن بقوله قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ وقال تعالى كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ وقال تعالى كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ والهالك والفاني لا وجود له والوجه هو الذات الوجود الواحد الحق سبحانه وتعالى ( ومثاله ) أي مثال الكل أي كل المخلوقات مع الوجود الواحد الحق تعالى ( الحباب ) بالضم الذي يظهر على وجه الماء وهو الفقاقيع الظاهرة من الماء على الماء ( والموج ) الذي يتصور في وجه الماء من الماء إذا تحرك بالريح ونحوه ( والثلج ) المتصور بصورة وكذلك الجليد الذي أصله ماء ولكنه ظهرت فيه صورة فسمي بسببها ثلجا وجليدا وسمي بردا أيضا ( فإن ) هذه الأشياء ( كلهن من حيث الحقيقة ) أي نفس الأمر ( عين الماء ) لا زائد عليه ( ومن حيث التعين ) بالصور المذكورة ( غيره ) أي غير الماء فالصورة الثلجية وصورة الحباب

--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه بلفظ : « كان اللّه ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء . . » كتاب بدء الخلق حديث رقم ( 3019 ) [ 3 / 1166 ] ورواه غيره .